رحم للايجار ج١ انجي الخطيب

وصل طارق المستشفى وهو بيجري بيها زي المجنون، شايلها بين إيديه وبيصرخ في الممرضين والدكاترة: “دكتور بسرعة! مراتي بتموت مني.. حد يلحقني!”
​الدكاترة جروا بالترولي وأخدوا نرمين منه ودخلوها أوضة الطوارئ فوراُ، وطارق وقف برة ساند راسه على الحيطة، لأول مرة في حياته يحس بالكسرة والضعف دي، دموعه نزلت وهو بيفتكر شكلها وهي بتلف جسمها عشان تاخد الرصاصة مكانه.. البنت اللي كان فاكرها جاية عشان فلوسه، كانت مستعدة تموت عشان يعيش هو.
​بعد حوالي ساعة، الباب اتفتح وخرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة والابتسامة على وشه: “اهدأ يا طارق بيه، المدام بخير.. اللي حصلها ده كان مجرد إغماء من الرعب والضغط العصبي الشديد، وجسمها ضعيف شوية.. بس الحمد لله، مفيش أي أثر لجلطة أو نزيف، والصدمة عَدت على خير.”
​طارق أخد نفسه طويل وكأنه الروح ردت فيه تاني: “الحمد لله.. طب والجنين يا دكتور؟ هي كانت…”
الدكتور ابتسم أوي وقال: “مبروك يا طارق بيه.. المدام حامل في أسبوعين، والبيبي ثبت وزي الفل رغم كل اللي مرت بيه.. دي معجزة، ربنا نجاهم هما الاتنين.”
​طارق مكنش مصدق ودانه، الفرحة لجمت لسانه، حَس إن الدنيا كلها بتضحك له فجأة. دخل الأوضة لقى نرمين بدأت تفتح عيونها بتعب، والضوء الأبيض بتاع الأوضة عاكس على ملامحها البريئة. أول ما شافته، عيونها دمعت ومدت إيدها المرتعشة ليه.
​طارق جري عليها، قعد على ركبه جنب السرير وأخد إيدها باسها بكل حُب ولهفة، ودفن وشه في كف إيدها وهو صوته مخنوق بالدموع: “أنتِ كويسة يا روحي؟ حاسة بوجع؟ أنا أسف يا نرمين.. أنا السبب في كل اللي حصلك ده، حطيتك في وسط ناري.”
​نرمين حطت إيدها التانية على شعره وبدأت تملس عليه بحنان: “أنا كويسة طول ما أنا شيفاك قدامي واقف على رجليك ومفيكش خدش واحد.. طارق، أنا كنت مستعدة أموت بس أنت متتأذيش، أنا اكتشفت إني ماليش عيش في الدنيا دي لو أنت مش فيها.”
​طارق رفع راسه وبصلها وعيونه لمعت بالفرحة: “ومين قال إنك هتموتي؟ أنتِ هتعيشي.. وهتعيشي عشانّا وعشان حتة مننا جوة بطنك دلوقتي.”
​نرمين برقت عيونها بصدمة وفرحة ودموعها نزلت: “أنت بتقول إيه؟ طارق.. أنا حامل؟”
طارق هز راسه وهو بيضحك ودموعه نازلة: “آه يا قلب طارق، حامل.. يعني اللي كنا بنخطط ونحلم بيه ونحارب الدنيا عشانه بقا حقيقة.. أنتِ شايلة ابني في بطنك، وجبتهولي بالطريقة اللي أنتِ عوزتيها.. من حُبنا مش من التلقيح.”
​نرمين لفت دراعتها حوالين رقبته وشدته ليها، وطارق دفن نفسه في حضنها وهو بيتنفس ريحتها اللي بتديله الحياة.
​في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة ودخل “الشاذلي بيه” والد طارق، وبان على وشه علامات السن بس هيبته زي ما هي، وعينه كانت مدمعة.. وبص لطارق ونرمين وقال بصوت مرتعش: “سامحني يا ابني.. أنا السبب في كل ده، ضغطي عليك هو اللي خلاك تعمل كدا وتدخل في الدوامة دي.. بس لما عرفت باللي حصل وبعمايل سليم الهواري، حسيت إن روحي بتتسحب مني.”
​طارق قام وقف وبص لوالده، ولأول مرة الخلاف اللي بينهم يدوب.. طارق قرب من أبوه وحضنه جامد: “مسامحك يا بابا.. لولا ضغطك عليا مكنتش هقابل البنت اللي غيرت حياتي وعلمتني يعني إيه حب بجد.”
​الشاذلي بيه بَص لنرمين بحب وتقدير كبير وقرب منها باس راسها: “أنتِ مش مرات ابني، أنتِ بنتي اللي رجعتلي ابني لحضني تاني.. والورث وكل أملاكي هكتبها باسم الحفيد اللي جاي في السكة وباسمك من النهاردة.”
​نرمين ابتسمت وبصت لطارق اللي كان واقف بيبصلها بكل فخر وعشق.. الأكشن والمغامرة خلصوا، وسليم الهواري بقا ورا القضبان بفضل عمر والشرطة، ومبقاش فاضل غير الهدوء، والحضن الدافي اللي هيبنوا فيه عيلتهم الحقيقية. طارق قرب من السرير تاني، ومسك إيد نرمين وحطها على بطنها، ومال همس في ودنها: “بحبك يا أم وريث الشاذلي.. بحبك يا كل دنيتي.
انجى الخطيب
………..
بعد مرور ست شهور..
​الدنيا برة كانت بتمطر ومغدقة شوارع القاهرة ببرد الشتا، بس جوة جناح طارق ونرمين، الأجواء كانت دافية جداً وريحة العود والياسمين مالية المكان.
​نرمين كانت واقفة قدام المراية الطويلة، ليدها على بطنها اللي بقت بارزة بشكل جميل يجنن في الشهر السابع، ولابسة فستان قطيفة نبيتي طويل ومسيبة شعرها الأسود على ضهرها. كانت بتبص لنفسها في المراية بحيرة وزعل طفولي، وبتقول بصوت واطي: “أنا بقيت شبه الكورة كدا ليه.. طارق أكيد مابقاش يشوفني حلوة زي الأول”.
​فجأة، من غير ما تحس، ظهر طارق وراها في المراية. كان لابس بنطلون مريح وتيشرت أسود مبرز عضلات جسمه الرياضي. قرب منها بالراحة لحد ما لزق ضهره في صدرها، ولف دراعاته حوالين بطنها ودفن وشه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها بعمق كأنه بيشحن طاقة.
​نرمين اتخضت خضة رقيقة وابتسمت: “خضيتني يا طارق.. جيت امتى؟”
​طارق همس بصوته الرجولي الدافي اللي بيخطف قلبها في كل مرة: “جيت من أول ما كنتِ واقفة بتظلمي القمر اللي قدامي ده.. مين دي اللي شبه الكورة؟ أنتِ مش واخدة بالك إنك بقيتي أحلى مليون مرة؟ الورد بيبقى أحلى وهو بيموت ولا وهو بيفتح؟ وأنتِ دلوقتي بتفتحي وبتكبري جواكي حتة مني”.
​نرمين لفت في حضنه وبقت في مواجهته، رفعت عيونها العسلي وبصتله بدلع ممزوج بقلة ثقة: “يعني بجد يا طارق مش شايفني تخنت وشكلي اتغير؟ أنا ساعات بخاف تزهق مني.. أنت طارق الشاذلي اللي الستات بتجري وراه، وأنا.. أنا قاعدة في البيت ومفيش ورايا غير البيبي”.
​طارق نظرة عينه اتغيرت وبقت مليانة شغف وحب حقيقي يزلزل. مسك وشها بين كفيه الدافية، وبدأ يمسح بابهاميه على خدودها الوردية وبص في عنيها بتركيز رهيب وقال: “تصدقي وتؤمني بالله يا نرمين؟ أنا بقيت بأجل اجتماعاتي وبمشي من الشركة بدري زي العيل الصغير اللي ملهوف على ألعابه، بس عشان آجي وأقعد تحت رجلك.. الستات اللي بتتكلمي عنهم دول كانوا مجرد سراب، لكن أنتِ الحقيقة الوحيدة في حياتي. أنتِ الست اللي غيرت عقيدة راجل كان شايف الجواز لعنة.. أنتِ بقيتي الهوا اللي بتنفسه”.
​نرمين شفايفها بدأت تترعش من كتر المشاعر اللي في كلامه، وقبل ما تنطق بكلمة، طارق مال عليها وباسها بوسة طويلة، عميقة، ومليانة شوق، بوسة نسيتها الدنيا والبرد والبرق اللي برا. كانت بوسة كلها وعود وسند، ونرمين استسلمت تماماً، رفعت إيديها وحوطت رقبته، وضوابعها تخللت في شعره البني الناعم وهي بتترعش في حضنه.
​بعد فترة، طارق بعد عنها بالراحة وهو بنهج، وسند جبهته على جبهتها ونفسهم هما الاتنين واحد: “بحبك.. بحبك لدرجة الخوف عليكي من نفسي”.
​فجأة، نرمين حست بحركة قوية جوة بطنها، لدرجة إنها شهقت: “آه!”.
​طارق اتخض وعيونه وسعت بقلق: “في إيه؟ حاسة بحاجة؟ نروح المستشفى؟”
​نرمين ضحكت بوسط دموع الفرحة، وأخدت إيد طارق الكبيرة وحطتها على بطنها من الجنب وقالت: “لا يا مجنون.. ابنك بيتحرك، أول ما سمع صوتك ونبرة كلامك بدأ يتنطط جوة.. شكله بيغير على أمه”.
​طارق أول ما حس بضربة البيبي الصغيرة تحت كف إيده، ملامحه كلها لانت، وابتسامة ساحرة ظهرت على وشه. نزل على ركبه قدامها على الأرض، وباس بطنها البارزة من فوق الفستان بحنان رهيب، وهمس وهو حاطط وشه على بطنها: “اطلع بسرعة يا بطل عشان أوريك أنا هتدلع أمك إزاي.. بس اوعى تفتكر إنك هتاخدها مني، دي بتاعتي أنا وبس”.
​نرمين وقفت تملس على شعره وهي حاسة إنها أسعد ست في الكون، وفي وسط اللحظة الرومانسية دي، تليفون طارق رن برقم غريب.. طارق استغرب وقام وقف ورد، وجاله صوت من الناحية التانية قلب الموازين تماماً!
​الصوت كان لست، وبنبرة قوية وفيها ثقة وضحكة خبيثة: “عاش من سمع صوتك يا طارق بيه.. مبروك على البيبي اللي جاي، بس افتكر إن اللعبة الكبيرة لسه مخلصتش بموت سليم الهواري في السجن.. أنا رجعت مصر، ورجعت عشان أخد حقي القديم منك ومن عيلة الشاذلي كلها!”
​طارق عروق جبهته برزت وعيونه اتحولت للدم وهو بيسمع الصوت ده.. صوت “فريدة الألفي”، الست اللي كانت سبب عقدته القديمة من الستات، والوحيدة اللي قدرت تهرب برة البلد من سنين بعد ما دمرت جزء من شغل عيلته!
انجى الخطيب

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *