اكسجين الحريه

بعد ما لقت جوزها مصاب وجمبه مرات أخوها، سمعت جملة “الرجالة كمان بيتعبوا”.. وردت بحقيقة مكنش حد في العيلة يتوقعها.
إيناس اكتشفت خيانة جوزها في أوضة الطوارئ، وهو غرقان في دمه على السرير وجمبه “سلمى” مرات أخوها “كريم”.
قبلها بست ساعات بس، “وائل” باسها وهو بيودعها على باب بيتهم في التجمع، وماسك شنطة سوداء وعلى وشه الابتسامة اللي دايمًا بتخلي الكل يصدقه.
“أسبوع واحد في دبي يا حبيبتي، اجتماعات مع مستثمرين وعشوات شغل مملة وفنادق غالية.. هرجعلك قبل حتى ما تلحقي توحشيني.”
إيناس ماردتش فورًا، فضلت تتفرج عليه وهو بيظبط ساعته، شيك جدًا وواثق في نفسه، وكأن الكذب ده حاجة مبيعرفش يعملها.
“خلي بالك من نفسك،” قالتها بصوت هادي.
حضنها ببرود، زي حد خلاص عقله ومكانه بقوا في حتة تانية.
على نص الليل، إيناس كانت واقفة في مستشفى دار الفؤاد، لسه ريحة وداعه متعلقة في هدومها، وهي شايفة الممرضة بتقص قميصه اللي غرقان دم.
على السرير اللي جمبه كانت سلمى، مرات أخوها الصغير كريم.
نفس الست اللي كانت بتمثل إنها بتحضنها في عزومات العيلة وهي من وراها بتقطع في فروتها، بتنتقد سنها وجسمها وشغلها، وإنها لسه مخلفة كتش.
دلوقتي سلمى مرمية والمكياج سايح، وفستان أحمر مقطوع، وإيدها ممدودة ناحية وائل، وكأنها حتى وهي فاقدة الوعي لسه عايزة تملكه.
الدكتور قرب من إيناس ومعاه ملف.
“مدام إيناس؟”
“أيوه أنا.”
وائل فتح عينه ببطء، وأول ما شاف إيناس، الونه خطف.
“إيناس…”
قربت منه خطوة.
“دبي؟”
سلمى بربشت بعينها، للحظة بان عليها التوتر، وبعدين رسمت ابتسامة باردة فيها غل.
“ما تعمليش شوشرة، إحنا كنا في طريقنا للمطار.”
إيناس ميلت رأسها بهدوء.
“المطار في اتجاه المطار، الحادثة حصلت في طريق الساحل.”
السكوت عم المكان. ممرضة نزلت عينيها في الأرض، وظابط كان بيكتب في نوتة ضغط بسنه القلم أكتر. وائل غمض عينه كأن السكوت هيداري الفضيحة.
سلمى سندت نفسها وضحكت بمرارة.
“ماشي، شوفتينا، ارتحتي؟ طول عمرك بتحبي تعيشي دور الضحية، الهادية، الصبورة، المثالية.. العيشة مع تمثال زيك تتعب.”
إيناس حست بحاجة جواها بتهدى، مش بتنكسر، لكن بتتحول لبرود تام وسيطرة.
بقالها 4 سنين بتسمع سلمى وهي بتوصفها بالباردة في قعدات العيلة، 4 سنين ووائل بيضغط على ركبتها تحت التربيزة ويقولها فوتيلها، 4 سنين وحماتها “ليلى” بتمدح في ابنها وإنه رجل أعمال نابغ، وتسأل إيناس إمتى هتبطلي شغل وتهتمي ببيتك.
لكن وائل مكنش هو اللي بنى الحياة دي.
هو مدفعش تمن الشقة، ولا استثمر في العيادة اللي بيتصور فيها بكل فخر، ولا هو اللي جاب العربيات ولا دفع تمن العشوات والمظاهر اللي العيلة بتعيش فيها قدام الناس.
إيناس هي اللي عملت كل ده.
هما كانوا ببساطة بيستمتعوا بحياة مكنوش بيسألوا جت منين.
وائل رفع إيده وهي بتترعش.
“ممكن نتكلم، الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة.”
“بجد؟” إيناس ردت ببرود.
سلمى ضحكت بوقاحة.
“كان هيسيبك الشهر الجاي، بس مكنّاش عايزينك تعرفي بالطريقة دي.”
إيناس بصت لجوزها.
“الكلام ده صح؟”
وائل تردد، والسكوت كان أوضح من أي رد.
الظابط قرب.
“يا مدام محتاجين أقوالك، وكمان العربية اللي عملت الحادثة متسجلة باسم شركتك.”
وائل برّق، وابتسامة سلمى اختفت.
من غير ولا كلمة، إيناس قلعت دبلتها وحطتها في الصينية المعدن جمب ساعة وائل المكسورة.
“يبقى لازم نتأكد إن الكل هيقول الحقيقة.”
لأول مرة ليلتها، وائل بص لها بخوف حقيقي.
الصبح، عيلة وائل قلبوا أوضة المستشفى لمحكمة. “ليلى” حماتها وصلت بكامل أناقتها، وكأن إيناس هي اللي عاملة مشكلة.
“دي مسائل عائلية خاصة،” قالتها ليلى بحدة. “العيلة محتاجة خصوصية.”
وبعدين بصت لإيناس ببرود.
“إنتي أهنتي ابني بما فيه الكفاية.”
إيناس متحركتش من مكانها.
“ابنك عمل حادثة بعربيتي وهو مع مرات أخويا.”
سلمى، وهي وشها باهت بس لسه فيها لسان، ردت: “أنا وكريم علاقتنا منتهية عاطفيًا من سنين.”
“غريبة،” إيناس قالت ببرود. “ده هو فاكر إنك بتحاولي تحملي.”
سلمى جسمها اتخشب.
وائل حاول يمسك إيد إيناس، بس هي سحبتها.
“ما تصعبيش الأمور،” وائل قال بضعف.
ليلى قربت وصوتها بقى حاد: “واحدة زيك لازم تشكر ربنا إن وائل فضل معاكي كل ده. طول الوقت شغل، طول الوقت سيطرة، لا خلفة ولا حنية.. الرجالة كمان بيتعبوا.”
إيناس هزت رأسها ببطء.
“كملي.”
سلمى ضحكت: “إيه؟ بتسجلي لنا؟”
إيناس ابتسمت ابتسامة خفيفة.
وائل كان الوحيد اللي فهم قبل الكل.
لسنين، هو افتكر إن سكوتها ده ضعف، مكنش مدرك إن إيناس بتسمع، وبتفتكر، وبتستنى.
محاولتش تجادل، ولا عيطت.
بكل بساطة لفت وخرجت من المستشفى.
والسكوت ده.. كان أكتر حاجة رعبتهم.
باقي القصة
بعد خروجها من المستشفى، لم تذهب إيناس إلى بيت الزوجية في التجمع، بل توجهت مباشرة إلى مكتبها. كانت تعلم أن “السكوت” الذي تركه خلفها في غرفة المستشفى سيتحول قريباً إلى عاصفة من المكالمات والاعتذارات، أو التهديدات.
لم تمضِ ساعتان حتى بدأ هاتفها يهتز. كانت “ليلى”، حماتها، تتصل بجنون. تجاهلتها إيناس تماماً وبدأت في مراجعة ملفات لم يفتحها وائل أبداً، ملفات “الشركة” التي كان يظن أنه يديرها، بينما كانت هي المحرك الخفي لكل قرش يدخل حساباته.
### المواجهة الكبرى
بعد يومين، اجتمعت العائلة في صالون بيت ليلى. وائل كان يجلس بكرسي متحرك، رأسه مضمد، وسلمى تجلس في الزاوية، تحاول استعادة كبريائها المفقود. كريم، أخو وائل، كان حاضراً بملامح محطمة، فقد عرف الحقيقة التي كانت إيناس تعرفها منذ زمن.
قالت ليلى بنبرة متعالية:
“إيناس، كفاية دراما. وائل غلط، وكلنا بنغلط. بس البيوت مابتتهدش عشان نزوة، والست العاقلة بتلم الليلة، خصوصاً إن وائل هو واجهة العيلة ومستقبلها.”
إيناس وضعت حقيبتها على الطاولة، وأخرجت منها مجموعة أوراق، وقالت بهدوء:
**”وائل مش واجهة العيلة، وائل كان مجرد موظف عندي برتبة زوج.”**
ضحكت سلمى بسخرية: “موظف؟ وائل شريك في كل حاجة، والشرع والقانون بيقول…”
قاطعتها إيناس ببرود الجليد:
“القانون بيقول إن العربية اللي عملت الحادثة ملك شركتي، والمحضر اللي اتقيد ‘سرقة’ لإن وائل مكنش معاه إذن باستخدامها للسفر للساحل. أما بالنسبة للشرع، فوائل وقع على تنازل عن نصيبه في الإدارة والأرباح من سنتين، لما احتاج يغطي ديونه في القمار اللي كان مسميها ‘استثمارات خاسرة’.”
### الحقيقة الصادمة
شحب وجه وائل، بينما صرخت ليلى: “انتي كذابة! ابني ناجح وشغله…”
إيناس وقفت وفتحت الملف الأخير:
“ابنك مش بس خاين، ابنك ‘مفلس’. الشقة اللي إحنا فيها، الفيلا اللي إنتي قاعدة فيها يا طنط، وحتى مصاريف عمليات التجميل اللي سلمى بتعملها.. كلها طالعة من حسابات شركتي أنا. وائل مملكش غير هدومه اللي كان لابسها وهو رايح يقابلك يا سلمى.”
التفتت إيناس إلى كريم، أخو وائل، وقالت بأسف حقيقي:
“يا كريم، أنا مكنتش عايزة أقولك كده قدامهم، بس سلمى مش بس كانت بتخونك، سلمى كانت بتسحب مبالغ من حسابك المشترك معاها عشان تمول سهرات وائل ‘الخاصة’ في الساحل، لإني كنت قافلة عليه الحنفية.”
ساد صمت مميت. كريم نظر إلى سلمى نظرة كره لم تره من قبل، بينما وائل لم يستطع رفع عينه من الأرض.
### النهاية
قالت ليلى وهي تحاول استجماع شتاتها: “إنتي عايزة إيه؟ الفلوس مش كل حاجة، إحنا عيلة!”
ردت إيناس وهي تتجه نحو الباب:
“الرجالة بيتعبوا يا طنط، صح؟ وأنا كمان تعبت. تعبت من التمثيل، ومن الصبر على ناس عايشة بفلوسي وبتنهش في عرضي. النهاردة الصبح، المحامي بتاعي رفع قضية طلاق للضرر، وقضية خيانة أمانة ضد وائل، وبلاغ رسمي ضد سلمى بالاستيلاء على أموال شركة.”
عند الباب، توقفت ونظرت لوائل:
“دبي كانت فكرة حلوة يا وائل، بس السجون مفيهاش فنادق غالية ولا اجتماعات مملة. فيها بس وقت طويل عشان تفكر.. إزاي خسرت الست اللي كانت سترك وسندك، عشان واحدة كانت بتسرق أخوك عشانك.”
خرجت إيناس، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، تاركة خلفها عائلة تنهار تحت وطأة الحقيقة، بينما استنشقت هي لأول مرة منذ سنوات.. أوكسجين الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *