كانت شايله الصنيه فاضيه ج2

منال علي

الجزء الثاني والاخير 👇🏼
فضل كريم قاعد على ركبه قدامي كام دقيقة، مش قادر يرفع رأسه ولا يواجهني.
المكان كان ساكت تمامًا، حاسم… مفيش غير صوت نفسه العالي ودموعه اللي نازلة على السجادة القديمة.
مراته كانت واقفة ورا الصالة، مش عارفة تتحرك ولا تقعد، وشها بقى أحمر وزي ما تكون صغرت في مكانها. لأول مرة أشوفها مش عارفة تلاقي كلام تقوله.
نفست بنفس طويل، وطبطبت على كتف كريم بتأني وقاطعت السكوت ده:
“قوم يا كريم… قوم يا بني، الراجل ما يوطيش رأس إلا للي خلقه.”
قام بالعافية، مسح وشه بظهر إيده، وكان شكله حزين ومكسور.
بص لمراته وقال بصوت مخنوق بس كان فيه شدة أول مرة أسمعها منه:
“يلا يا نرمين… لمي أكل الولاد وحاجتهم، خلينا نمشي.”
نرمين هازت رأسها بسرعة وهي مرعوبة، وجت عشان تلم العلب من على السفرة وإيديها بترتعش. حكايات منــال عـلـي
أنا قمت وقفت من على كرسي أبو كريم بهدوء.
“استنى يا كريم.”
بصلي بابتهال:
“يا ماما… أنا خجلان من نفسي، مش قادر أقعد في البيت أكتر من كده.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت له:
“دا بيتك يا بني… وبيفضل بيتك. بس الفرق بين النهارة وإمبارح، إنك تدخل من بابه وأنت فاهم إن ليك فيه مكان بالحب والأصول… مش بوضع اليد.”
بصيت لنرمين وقلت لها بصرامة حنونة:
“سيبك من العلب دلوقتي يا نرمين… تعالي قعدي.”
قعدت نرمين على طرف الكرسي خايفة، وبصت في الأرض.
قلت لها:
“أنا عارفة إن الحياة بره بقت صعبة، وعارفة إن شقتكم دايقة عليكم، وإن مصاريف الأولاد تكسر الظهر… أنا مش عايشة في كوكب تاني. بس الشبع مش أكل وشرب وشقق واسعة يا بنتي… الشبع شبع نفس ورضا. ولو أخدتي حتة مش حقك، العمر كله مش هيريحك فيها.”
نرمين دموعها نزلت وقالت بصوت واطي جدًا:
“أنا أسفة يا طنط… والله أنا فكرت إن ده أريح ليكي ولينّا… بس أنا اندفعت وغلطت.”
رديت عليها:
“المسامح كريم… بس اتعلمي يا بنتي إن كبار السن مش كراكيب بنشوف لهم مخزن أو مكان نشيلهم فيه لما يضيق بينا المكان. كبار السن دول هما البركة اللي البيت كله قايم عليها… ولما ييجوا يمشوا، بيمشوا بقرارهم وبكرامتهم.”
مسكت ملك حفيدتي الصغيرة إيدي وقالتلي:
“تيتا… هو إنتي هتسبينا وتروحي الدار؟”
وطيت عليها وبست رأسها:
“لا يا حتة من قلبي… تيتا هنا، والبيت ده مفتوح ليكي ولأخواتك في أي وقت، تيجوا تلعبوا وتجروا وتسهروا معايا زي ما أنتوا عايزين.”
الليل عدى، والكل مشي بعد ما أكلوا بواقي الحلويات، بس المرة دي السكوت اللي سابوه بعد ما مشيوا ما كانش سكوت تقيل ولا وجع… كان سكوت احترام.
كريم وهو نازل على السلم، لف وتبصلي بابتسامة المكسور اللي بيحاول يتصلح، وقال:
“هجيلك بكره الصبح يا ماما… أصلحلك حنفية المطبخ اللي بتنقط.”
رديت عليه بابتسامة دافية:
“مستنياك يا بني… وهعملك الشاي اللي بتحبه.”
قفلت الباب وراهم.
البيت رجع هادي تاني.
مشيت بالراحة في الصالة… عديت على الخدش اللي في الحيطة… وعلى علامات طول كريم على باب المطبخ.
مسحت التراب الخفيف من على صورة أبو كريم المتعلقة في الوش.
وقفت قدام الشباك، والهوا البارد بتاع بليل خبط في وشي.
حسيت بربكة قلبي راحت، وحل محلها راحة بال كبيرة.
أنا نادية… حكايات منــال عـلـي
عندي تسعة وستين سنة.
يمكن أكون كبرت، ويمكن الركبتين بيتعبوني وأنا طالعة السلم…
بس طول ما فيا نفس… بيتي هيضل مفتوح بالحب، وبكرامتي اللي مش هسمح لأي حد يمسها.
شلت الظرف الأصفر حطيته في دولابي قفلت عليه.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *