كرامه فتاه انجي الخطيب

انا ليلي عندي ٢٠ سنة بشتغل في سبا بعمل مساج لرجالة وستات أعمار مختلفة…
الشغل ماكانش مريح بالنسبة لي خالص بس ماكانش قدامي حل تاني كنت محتاجة الفلوس عشان اصرف علي نفسي و دراستي…
مع الوقت بقى ليا زبون دايم منهم راجل كبير في السن، في الأول كان باين عليه الاحترام وكلامه قليل 🥲 لكن اللي حصل بعد كدا هو الصدمة…..
بداية حكاياتي اني نزلت القاهره و سكنت في دار مغتربات، لأني من أسرة بسيطة ومقدرتش أأجر شقة لوحدي. أهلي كانوا مصرّين إني أتعلم تعليم عالي، وعشان كده بعتوني من بلدنا في الصعيد للقاهرة. أنا ممتنة ليهم جدًا، لأنهم شقيوا وتعبوا وحوشوا قرشين بالعافية عشان تعليمي 🙏

غير الكلية ومحاضراتها اللي كانت واخدة أغلب وقتي، كنت مضطرة كمان أشتغل عشان أقدر أصرف على نفسي 🥺
بس الشغل للطلبة كان صعب، خصوصًا من غير خبرة ومحتاجة عدد ساعات قليل 😫
الحظ ساعدني شوية، بنت معايا في السكن قالتلي إن في مركز مساج (سبا) محتاج بنات يشتغلوا، والخبرة مش مهمة، هما هيدربونا بسرعة. وفعلاً ده اللي حصل، اتدربت واتقبلت في الشغل.

الشغل ماكانش مريح بالنسبة لي خالص بس اضطريت اقبل بية مكنش قدامي غيرة … كنت بخلص شيفتي متأخر، وأرجع السكن هلكانة، ولسه ورايا مذاكرة وتسليمات للكلية. كنت دايمًا تعبانة ونومي ملخبط 😓
بس ماكانش قدامي حل تاني، كنت محتاجة الفلوس.

مع الوقت بقى ليا زبون دايم منهم راجل كبير في السن، في الأول كان باين عليه الاحترام وكلامه قليل 🥲
بس بعد فترة بدأ يسأل أسئلة شخصية بزيادة، ويرمي كلام فيه تلميحات، وده خلاني أقلق وأتخنق.

وفي يوم جه لجلسة 😰
في نص الجلسة بدأ يقول كلام قذر، وفجأة لقيته بيمسكني من وسطي 😡
زقيت إيده وقلتله الزم حدودك.
بس ما سكتش. قام من على السر*ير وبدأ يتهجم عليا ويحاول يبو*سني بالعافية، وبيقولي بطلي دلع ما انتي أكيد عايزة كده اومال شغالة هنا ليه…
كنت هموت ومنهارة من العياط حاولت أبعده وأزعق، ولما حاول يمد إيده على هدومي ما استحملتش، زقيته بكل قوتي وجريت برا الاوضة استنجد باي حد من اللي شغالين معايا بس اللي حصل خلاني واقفة مصدومة مكاني مش قادرة اتحرك……
لقيت المديرة في الوش، وشها ملوش ملامح، بارد زي التلج. صرخت فيها وأنا بنهج والدموع مغرقة وشي “الحقيني يا مدام.. الراجل اللي جوة ده اتهجم عليا!”.. كنت فاكراها هتثور، هتطلب الأمن، هتعمل أي حاجة تنجدني.. بس لقيتها بتبصلي من فوق لتحت وبرود قاتل وقالتلي بصوت واطي ومسمم: “جرى إيه يا بت إنتي؟ هتعمليلنا فيها شريفة؟ ما إنتي عارفة المكان هنا نظامه إيه من أول يوم، والزبون ده يدفع لبلد.. ادخلي كملي شغلك وبلاش ليلة ومشاكل قطع عيش.”
​الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، جسمي كله اتنفض، بصيت حواليا لقيت زمايلي البنات واقفين بعيد، باصين في الأرض، ومحدش فيهم قادر ينطق ولا يرفع عينه فيا.. الكل كان عارف ومطنش عشان لقمة العيش.. في اللحظة دي الباب اتفتح والراجل خرج وهو بيعدل هدومه، وبص للمديرة بكل بجاحة وقال: “شوفي البت دي يا منى، شكلها جديدة ومش فاهمة الشغل، علميها بدل ما أقطع رجلي من هنا”.. المديرة هزت راسها بابتسامة صفرا: “حقك عليا يا باشا، لسه غشيمة، هعلمها الأدب.”
​الدنيا لفيت بيا، حسيت إني عريانة وسط غابة، كرامتي اتهانت، وأهلي في الصعيد اللي طافحين الكوتة عشان أبقى بني آدمة، لو عرفوا إني في مكان زي ده هيموتوا بحسرتهم.. مسحت دموعي بكم جاكتي بكل غل، وبصيت للمديرة وللراجل ولقيت صوتي بيطلع قوي لأول مرة من وسط الكسرة: “أنا مش هكمل في القرف ده، وفلوسكم المحرمة دي مش عايزاها”.. جريت على الأوضة، لميت حاجتي الشنطة والكشكول بتاع الكلية، وخرجت أجرى في الشارع وأنا حاسة إن الهوا مش كفاية، بس لأول مرة من شهور حسيت إني عارفة أتنفس بجد، ورغم الخوف من اللي جاي ومن الفلوس اللي هتقصر معايا، كنت حاسة إن ضهري مفرود، وإن كرامة البنت الصعيدية اللي جوايا هي الحاجة الوحيدة اللي طلعت بيها سليمة من المكان ده.
………
وصلت لدار المغتربات وأنا رجلي بتخبط في بعضها، دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا ورميت نفسي على السرير، انفجرت في العياط كأني كنت كاتمة نفسي طول السير في الشارع. دموع قهر وخوف، وفي نفس الوقت دموع راحة إني هربت. زميلتي في الأوضة “هند” خبطت ودخلت، أول ما شافت منظري وشنطتي المرمية في الأرض جريت عليا: “مالك يا ليلى؟ في إيه؟ إيه اللي جرى؟”
​حكيتلها وأنا بشهق، كلامي كان طالع مقطع ومش مفهوم من كتر الرعب، هند خدتني في حضنها وطبطبت عليا وقالتلي بلهجة فيها حزن وندم: “سامحيني يا ليلى.. أنا اللي دلتيكِ على المكان، بس والله العظيم ما كنت أعرف إنهم وساخ كدة، أنا فكرته سبا طبيعي ومحترم زي ما قالولي في الأول، وأنا سيبته من أسبوع عشان لقيت شغلانة تانية.. متزعليش نفسك، غوريلا تأصدهم وتأصد فلوسهم”.
​كلام هند هدا ميزان عقلي شوية، بس فضل الكابوس الأكبر بيطاردني: مصاريفي؟ الإيجار؟ الكتب؟ لو أهلي حسوا بأي حاجة ممكن ييجوا ياخدوني من التعليم كله. قعدت يومين في السكن مش قادرة أنزل، باصة للسقف وبفكر في بكرة.. لحد ما موبايلي رن، ورقم غريب.
​رديت بصوت مرعوب، فجاءني صوت راجل وقور وهادي: “أنسة ليلى؟ أنا دكتور أحمد، أستاذ مادة التشريح في الكلية.. أنا جالي الورق والأبحاث اللي إنتي كنتِ مقدماها، وشايف إن مستواكِ العلمي ممتاز جداً، بس بقالك يومين غايبة.. وفي نفس الوقت، السكرتيرة بتاعتي في العيادة هتمشي ومحتاج حد مكانه تنظيم مواعيد وبسعر كويس، والعميد رشحلي اسمك لما عرف ظروفك.. تحبي تيجي تشوفي الشغل؟”
​في اللحظة دي، حسيت إن ربنا طبطب على قلبي، وإن الباب اللي اتقفل في وش القرف، اتفتح مكانه باب رزق حلال ونضيف يعوضني عن كل ليلة عشتها في خوف.. مسحت دموعي وابتسمت لأول مرة من قلبى وقلتله: “جاهزة طبعاً يا دكتور.. من بكرة الصبح هكون عند حضرتك”.
………
عدى كام شهر، وحياتي اتشقلبت تمامًا. الشغل في عيادة الدكتور أحمد كان بمثابة طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي في وقته. الراجل كان في قمة الأدب والاحترام، بيعاملني كبنت من بناته، ومقدّر جدًا إني بوفق بين الشغل ودراستي في الكلية. لأول مرة من ساعة ما نزلت القاهرة، كنت برجع دار المغتربات وأنا بالي مرتاح، مش خايفة من خطوة رجلي، ولا حاسة بنظرة قرف من نفسي في المراية.
​في يوم، وأنا قاعدة في العيادة بنظم المواعيد والدنيا هادية، دخلت واحدة شكلها مش غريب عليا.. ست ليرج ومتبهدلة وفي حالة ضياع. ركزت في وشها، وفجأة جسمي كله قشعر.. دي “منى” مديرة السبا! بس مكنتش منى بتاعت زمان اللي واقفه ببرود وجبروت.. كانت خاسة النص، وشها أصفر وعينيها دبلانة.
​أول ما عيني جت في عينها، هي كمان عرفتني.. اتسمرت مكانها، وحسيت بالكسرة والخرسة اللي صابتها وهي شايفاني قاعدة في مكان محترم، ولابسة البالطو الأبيض بتاعي وبكل هيبتي. نزلت عينيها في الأرض وبدأت تفرك في إيدها بتوتر وقالت بصوت مكسور ومبحوح: “ليلى؟.. إنتي شغالة هنا؟”
​رديت عليها بنبرة هادية وبكل ثقة وكرامة: “أيوة يا مدام منى، أؤمري.. عندك كشف؟”
​دموعها نزلت غصب عنها وقالتلي: “الدنيا دارت بيا يا بنتي.. السبا اتقفل في كبسولة بوليس، والكل اتمسح بكرامته الأرض، وأنا ربنا عاقبني بالمرض الخبيث وجاية هنا أتابع مع الدكتور.. أنا أسفة يا ليلى، حقك عليا، عرفت إن ربنا مبيسبش.. والقرش الحرام بيعمي العين بس آخره حيطة سد.”
​بصيت لها وقلبي اتقبض، مكنتش شمتانة، بس حسيت بعظمة ربنا وإنه بياخد الحقوق تالت ومتلت ولو بعد حين.. قمت من مكاني، جهزت ورقها ودخلتها للدكتور، وأنا جوايا راحة مفيش بعد كدة.. حمدت ربنا إني مسكت في شرفي وكرامتي ومجرتش ورا القرش السهل.. لأن الدنيا ممكن تديكِ ضهرها شوية، بس لما بتصون نفسك، ربنا بيرفعك ويديك من وسع ويخليلِك راسك دايمًا في السماء.
……..
بعد ما “منى” خرجت من عيادة الدكتور أحمد، قعدت على مكتبي وأنا باصة للفراغ. كلامها كان لسه بيرن في ودني، والحقيقة اللي شوفتها في عينيها المكسورة أكدتلي إن الستر ده غالي أوي، وإن الواحد لما بيبيع نفسه عشان الفلوس، بيصحي الصبح يلاقي نفسه خسر كل حاجة، حتى صحته.
​مرت الأيام، ودخلت في امتحانات الفاينال بتاعة الكلية. كنت بطحن نفسي بين المذاكرة والعيادة، بس التعب المرة دي كان طعمه حلو، تعب نجاح مش تعب قهر. الدكتور أحمد كان بيخفف عني الشغل أيام الامتحانات وبيقفل العيادة بدري عشان يخليني ألحق أراجع.
​يوم النتيجة، كنت واقفة في طرقة الكلية وجسمي كله بيترعش، زميلتي “هند” جت تجري عليا وهي بتصوت من الفرحة: “ليلى! ليلى إنتي طلعتي التانية على الدفعة بالامتياز!”.. مكنتش مصدقة وداني، الدموع نزلت من عيني بس المرة دي دموع فرحة صافية. سجدت في الأرض وسط الطرقة وأنا بحمد ربنا إنه مكسرش بخاطري ولا بخاطر أبويا وأمي.
​أول حاجة عملتها، كلمت أبويا في التليفون. أول ما سمع صوتي وأنا بقوله “أنا نجحت وجبت امتياز يا با”، سمعت صوته وهو بيعيط من الفرحة وبيقولي: “رافع راسي دايمًا يا بنتي، وعارف إن الصعيد مبيجبش غير رجالة، وإنتي بمية راجل.. شقانا وتعبنا ماراحش هدر يا ليلى.”
​قفلت معاه وأنا حاسة إني طايرة في السما. رحت العيادة بالليل عشان أبشر الدكتور أحمد، لقيت عملي مفاجأة وجايب تورته صغيرة ومجمع تيم العيادة كله عشان يحتفلوا بيا. بصلي وقال بابتسامته الأبوية: “مبروك يا دكتورة ليلى.. الشاطر والمحترم بيوصل لأعلى مكان، وإنتي تستاهلي كل خير.”
​وأنا واقفة بقطع التورتة وسط الناس اللي بيحبوني ويحترموني، افتكرت البنت الخايفة المرعوبة اللي كانت بتجري في شوارع القاهرة من كام شهر وهي مش عارفة تروح فين.. وبصيت لنفسي في المراية وابتسمت، وكنت فخورة بالبنت دي، لأنها اختارت الطريق الصعب، بس الطريق اللي آخره نور وكرامة وشرف مبينحنيش لأي حد.
……….
ومرت السنين زي لمح البصر، واتخرجت من الكلية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وبتوفيق ربنا وبدعم الدكتور أحمد، اتعينت معيدة في الكلية. الحلم اللي كان بعيد وصعب وأنا جاية في القطر من الصعيد، بقى حقيقة ملموسة بمسكها بإيدي.
​يوم مناقشة رسالة الماجستير بتاعتي، القاعة كانت مليانة على آخرها. في الصف الأول، كان قاعد أبويا بجلابيته الصعيدي البسيطة وعمته اللي رافعاها للسما، وأمي جنبه بتبكي من الفرحة وتزغرد بعلو صوتها ومش مصدقة إن بنتها واقفة على المنصة والدكاترة الكبار بيناقشوها. وجنبهم كان قاعد الدكتور أحمد، باصصلي بنظرة فخر وكأني بنته اللي من صبله.
​لما اللجنة أعلنت حصولي على الماجستير بامتياز، القاعة كلها هزتها التسقيف. نزلت جرى من على المنصة، رحت على أبويا وأمي، رميت نفسي في حضنهم وبست إيديهم ورجليهم وأنا بقولهم: “ده خيركم وشقاكم يا با.. أنا من غيركم ولا حاجة”. أبويا خدني في حضنه ودموعه على خده وقال بصوت جهوري كل القاعة سمعته: “أنا النهاردة أسعد راجل في الدنيا، بنتي صانت اسمي وصانت نفسها، وربنا رفع شانها وشاننا”.
​وأنا واقفة وسطهم، وبستقبل تهاني زمايلي ودكاترتي، افتكرت اللحظة الضلمة والشارع اللي كنت بجري فيه وخايفة من بكرة.. وبحمد ربنا من كل قلبي إني مضعفتش ولا استسلمت.
​الحكاية مكنتش مجرد شهادة ونجاح، الحكاية كانت اختبار حقيقي لـ معدني. وعرفت وقتها إن الستر والكرامة هما أغلى رأسمال للبني آدم، وإن الباب اللي بيتقفل في وش الحرام، ربنا بيفتح مكانه ألف باب للحلال والنجاح، وبيرفعك فوق فوق، لحد ما الكل يبصلك باحترام ويقول: “دي البنت اللي رفعت راس أهلها”.
تمت
حكايات انجى الخطيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *