عامل نظافه

حملت الكيس ومشت وهي تمسح دموعها بطرف حجابها، وأنا وقفت خلف الشاحنة أبكي، لكنني كنت سعيدًا بشكل لا أستطيع وصفه.
ومن ذلك اليوم، صرت أفعل الأمر نفسه كل صباح.
أضع الطعام والمال داخل كيس أسود في نفس السلة، قبل أن تصل المرأة.
كنت أراقبها من بعيد وهي تأخذه، أرى الفرحة في عيون أطفالها، وأعود إلى عملي وكأنني ملكت الدنيا.
وفي نهاية كل شهر، كنت أضع لها نصف راتبي تقريبًا، رغم أن راتبي لم يكن كبيرًا، لكنني كنت أقول لنفسي أنا عندي بيت وزوجة وستر أما هي فعندها سبعة أطفال وجوع لا ينتظر.
مرت شهور طويلة، وبدأت ألاحظ شيئًا غريبًا.
في البداية كانت تأتي ومعها أطفالها السبعة، ثم بعد فترة صارت تأتي وحدها.
فرحت في البداية، وقلت ربما الأطفال صاروا في المدرسة، أو ربما لم تعد تريد أن يروا أمهم عند سلة القمامة.
استمررت أضع الكيس كل يوم، وكانت تأتي وتأخذه وتغادر، دون أن تعرفني ودون أن أعرف اسمها.
حتى عندما تقاعدت من العمل بعد سنوات، لم أتوقف.
كنت أذهب بنفسي إلى نفس المكان، أضع الطعام والمال، وأختبئ بعيدًا حتى أراها تأخذه، فقد صار ذلك الفعل جزءًا من حياتي، وربما كان أجمل شيء فعلته دون أن يعرف أحد.
لكن بعد فترة، حدث ما أقلقني.
توقفت المرأة عن المجيء.
مر يوم.
ثم يومان.
ثم أسبوع كامل.
كان الكيس يبقى في مكانه، لا أحد يلمسه.
شعرت بالخوف عليها، وبدأ قلبي يحدثني أن شيئًا سيئًا حدث.
سألت بعض سكان الحي عنها، لكنني لم أكن أعرف اسمها، كنت أقول المرأة التي كانت تأتي عند سلة القمامة، فينظر إليّ الناس باستغراب.
وبعد سؤال طويل، دلّني رجل كبير على بيت
قديم في آخر الشارع وقال يمكن تقصد أم خالد كانت أرملة وعندها أولاد كثير، لكن من فترة ما عدنا نراها.
ذهبت إلى البيت وقلبي يدق بعنف.
كان بيتًا بسيطًا جدًا، بابه قديم، وجدرانه متعبة، طرقت الباب، ففتح لي شاب في أوائل العشرينات، نظيف الملابس، وملامحه محترمة، لكنه كان ينظر إليّ باستغراب.
قلت له هل هنا تسكن أم خالد؟.
تغير وجهه فورًا وسألني إنت تعرف أمي؟.
قلت بصوت مرتبك كنت كنت أساعدها من بعيد.
فتح الباب أكثر، ودعاني للدخول.
دخلت فوجدت على الجدار صورة المرأة نفسها.
لكنها كانت محاطة بشريط أسود.
فهمت قبل أن يتكلم.
قال الشاب بصوت حزين أمي توفيت من شهرين.
شعرت أن قدميّ لم تعودا تحملاني، وجلست على أقرب كرسي، ودموعي نزلت دون أن أستطيع إيقافها.
قال الشاب قبل ما تموت، كانت تحكي لنا عن رجل لا تعرفه، كان يضع لها طعامًا ومالًا في كيس أسود، وكانت تقول هذا ملاك أرسله الله لأطفالي.
لم أستطع الكلام.
ثم دخلت فتاة تحمل صندوقًا صغيرًا، وقالت أمي تركت شيئًا للرجل صاحب الكيس الأسود، وقالت لو جاء يومًا أعطوه له.
فتحت الصندوق بيدين ترتجفان، فوجدت داخله ورقة قديمة مطوية، وبعض العملات المعدنية الصغيرة، وصورة لأطفالها وهم صغار.
فتحت الورقة، وكان مكتوبًا بخط متعب
إلى الرجل الذي حفظ كرامتي قبل أن يطعم أطفالي أنا لا أعرف اسمك، لكن الله يعرفك. كنت أبحث في القمامة وأنا ميتة من الخجل، فجعلتني أعود إلى بيتي كأنني اشتريت الطعام بيدي. لم تنقذني من الجوع فقط، بل أنقذت أطفالي من أن يروا أمهم مكسورة. سامحني لأنني لم أشكرك في حياتي، وادعُ لي بعد موتي.
لم
أستطع إكمال الرسالة من البكاء.
لكن الصدمة لم تكن في الرسالة

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *