“يعني إيه يا سهام مفيش غدا؟ وأمي اللي قاعدة مستنية لقمة تنزل جوفها دي ذنبها إيه؟” محمود كان واقف في نص الصالة، عروقه نافرة وعمال يخبط كف بنعل، وسهام قاعدة على الكنبة بكل برود، ماسكة كوباية شاي وبتقلبها ببطء كأنها بتدوب فيها سنين عمرها اللي ضاعت. بصت له من فوق لتحت وقالت بنبرة خلت جسمه يقشعر: — “والله يا محمود، اللي عاوز ياكل يطبخ.. أنا النهاردة خدت إجازة مفتوحة من “سخره” البيت ده.” سهام دي كانت “الوتد” اللي شايل البيت. محمود موظف على قد حاله، بس منظره قدام الناس بالدنيا. كان ياخد مرتبها من هنا، ويقولها “إحنا واحد يا سوسو”، ويروح يشتري بيه بدل وساعات عشان يبان “بيه” قدام صحابه، وهي تلبس الفستان بالتلات سنين وترقعه وتداري. مش بس كدة، ده كان بيسيبها تخدم والدته “الحاجة فوزية” اللي كانت مسمعة الحتة كلها طلباتها، وسهام صابرة وبتقول “كله لله وعشان خاطر الراجل اللي مالي عليا البيت”. يوم “الخميس” اللي فات، محمود كان ناسي تليفونه مفتوح، وسهام شافت رسالة من صاحبه “أبو العلا” بيقوله فيها: *”يا عم فكك من نكد سهام، ده أنت بكره تترقى وتبقى مدير، وتتجوز الست اللي تليق بمقامك، وسهام كفاية عليها تربي العيال وتخدم الحجة.. هي تقدر تستغنى عنك؟”* رد محمود كان هو “الرصـ,ـاصة”: *”يا عم دي ضامنة الجنة بسببي، ومقدرش تمشي خطوة من غيري، دي زي الفريك مبيتفلفلش إلا تحت إيدي.” سهام من اليوم ده مدمعتش ولا دمعة. راحت باعت “تحويشة العمر” اللي كانت مخبياها من شغلها الإضافي في الخياطة، وأجرت محل صغير في آخر الشارع من غير ما حد يحس. بدأت تسحب خيوطها واحدة واحدة. باعت “غسالة الأطباق” اللي جابتها بفلوسها وقالت له “اتكسـ,ـرت ووديتها تتصلح”، وهي في الحقيقة كانت بتدفع تمن إيجار المحل. يوم الترقية، محمود رجع البيت وهو “منفوخ” وعاوز يفرقع الخبر في وشها إنه خلاص بقى المدير، وإنه هيبدأ يدور على “العروسة” اللي تليق بيه. دخل الشقة لقاها “على البلاط”. لا عفش، ولا سهام، ولا حتى “هدومه” اللي في الدولاب. لقى ورقة مكتوبة بخط إيدها على الحيطة: “يا سيادة المدير، العفش ده أنا اللي دافعة تمنه بدم قلبي وفواتيره باسمي.. الشقة دي إيجار وقديم وباسمي برضه والمالك خد المفتاح. أما هدومك، فسبتها لك في شنطة بلاستيك عند البواب، عشان تعرف إن “الفريك” لما بيتفلفل، بيعرف يغرف لنفسه طبق بعيد عن نارك.” محمود نزل جري زي المجنون، لقى محل كبير في وش الشارع، عليه أنوار وزحمة، ويافطة مكتوب عليها: **”أتيليه سهام.. للهوانم فقط”**. وقفت سهام قدام المحل بطلة ملكة، وبصت له وقالت: — “الترقية بتاعتك دي بلها واشرب ميتها يا محمود.. أنا رقيت نفسي بنفسي من “خدامة” لـ “صاحبة ملك”..” يتبع.. تفتكروا محمود هيسكت لسهام، الست لما بتخسر “أمانها” مع راجل، ممكن ترجع تحس بيه تاني، ولا بيبقى باب واتقفل بالقفل والمفتاح؟ محمود وقف قدامها، وشه قلب ألوان… من الصدمة للغضب لشيء أقرب للذل. قال وهو بيحاول يتماسك: — “إنتي فاكرة نفسك كده كسبتي؟ ده أنا ممكن أهدلك المحل ده فوق دماغك!” سهام ما رمشتش حتى. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت: — “جرب… بس قبل ما تعمل كده، بص وراك.” محمود لف… لقى اتنين رجالة واقفين، واحد منهم ماسك ملف تقيل. قال بهدوء رسمي: — “أستاذ محمود؟ معانا إنذارات وشكاوى بخصوص استيلاء على مرتب زوجتك وإجبارها على التنازل عنه… وكمان شهود من الجيران.” محمود اتلخبط: — “إيه الهبل ده؟! دي مراتي!” سهام ردت بسرعة: — “كنت مراتك… مش ملكك.” الناس بدأت تتجمع… همسات، نظرات، وكلمة “المدير” اللي كان بيحلم بيها بقت بتتقال بسـ,ـخرية. محمود قرب منها بصوت واطي: — “طب ليه كده يا سهام؟ أنا كنت بهزر!” ضحكت ضحكة خفيفة… أول ضحكة بجد من سنين: — “اللي يهزر بكرامة واحدة… يستحمل جدها.” سكتت لحظة، وبعدين كملت: — “أنا ما خرجتش من البيت عشانك إنت… أنا خرجت عشان نفسي. عشان الست اللي كانت كل يوم بتمـ,ـوت شوية وهي ساكتة.” الراجل اللي معاه الملف فتحه وقال: — “يا ريت تيجي معانا بهدوء عشان نحل الموضوع قانوني.” محمود بص حواليه… مفيش حد بيبصله بإعجاب زي زمان، كله بيبص شفقة… أو شـ,ـماتة. في اللحظة دي بس… فهم. إنه خسر مش بس سهام… خسر صورته… وكرامته… وكل حاجة كان فاكرها مضمونة. سهام دخلت المحل تاني، وسيبته واقف لوحده في الشارع… ولأول مرة في حياته، ماكانش عارف يعمل إيه. بعد شهور… “أتيليه سهام” بقى أشهر محل في المنطقة، والستات بتيجي له من كل حتة. سهام بقت اسم… مش مجرد زوجة حد. أما محمود… اتنقل من شغل لشغل، والترقية اللي كان فاكرها بداية حياته… كانت في الحقيقة بداية نهايته. وفي يوم، وقف قدام المحل من بعيد… يتفرج عليها وهي بتضحك مع الزباين. همس لنفسه: — “أنا اللي خسرت الأمان… مش هي.” لكن كان متأخر… أوي. النهاية.