بيتي مش تكيه ج٢ منى السيد

الفصل الثاني كروت مكشوفة
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون كان تقيل، والباب اتفتح ببطء وصوت صرير خلى الصالة كلها تتجمد مكانها. دخل راجل طويل، لابس بدلة رمادية مكوِية بعناية، شعره أبيض شوية من الجناب، وفي إيده شنطة جلد سودة ضخمة. ملامحه كانت صارمة، وعيونه فيها نظرة فاحصة بتمسح المكان حتة حتة، كأنه داخل مسرح چريمة مش صالة شقة عادية.
أول ما عينه جت على حماتي، وشها اتخطف تماماً، لدرجة إن الشال الأبيض اللي كان على كتفها فلت ووقع على الأرض، ومحدش من بناتها فكر حتى يوطي يجيبه.
عمي فاروق؟!
الكلمة دي طلعت من بؤ هشام بصوت راعش ومكتوم، كأنه شاف شبح واقف

قدامه.
فاروق يبقى أخو حمايا الكبير، كبير العيلة بجد، الراجل اللي حمايا الله يرحمه كان بيعمله ألف حساب ومبيقطعش أمر إلا بشوره. تاجر الدهب القديم اللي كلمته في الصاغة وفي العيلة زي السيف، ومحدش يجرؤ يكسرله أمر. ومن يوم ما حمايا ماټ، محدش شافه غير في تالت يوم عزا، لما جه ووزع وصايا ومشِي بهدوء، ومن ساعتها ومحدش يعرف هو فين ولا بيعمل إيه.
عمي فاروق قفل الباب وراه بهدوء تام، وحط السلسلة في مكانها، وبعدين خطى خطوتين لجوة الصالة. بص للكل، من نجلاء اللي وشها اصفر وبقت بتفرك في إيديها، لدعاء وهند اللي رجعوا لورا ورا ضهر أمهم، لحد ما عينه وقعت عليا.

شافني واقفة وابني عمال يعيط على كتفي، سخن ووشه أحمر، وعيني غرقانة دموع مقهورة. ملامحه لانت ثانية واحدة، وهز راسه ليا بحزن، وبعدين رجع بص لهشام بنظرة خلت جوزي يتراجع خطوة لورا ويبلع ريقه بصعوبة.
مساء الخير يا أم هشام.. مساء الخير يا بنات.. صوته كان هادي وواطي، بس رزانته كانت بتدب في الحيطان. سحب كرسي من بتوع السفرة بهدوء، قعد عليه، وحط شنطته على رجليه، وبصلهم وقال خير إن شاء الله؟ مجمعين مجلس الشورى بالليل كده ليه؟ وصوتكم كان جايب أول الشارع، وأنا طالع على السلم سامع المحاكمات والټهديد بالورقة والطلاق والرمي في الشارع. هو ده الأصول اللي أخويا
المرحوم

رباكم عليها؟
حماتي حاولت تلحق نفسها بسرعة، قلبت ملامحها في ثانية لمسكنة، وقالت بصوت مكسور وهي بتسند على ترابيزة الأنتريه يا أخويا يا فاروق.. أصلك متعرفش الڼار اللي أنا فيها! مرات ابنك مش طيقاني في البيت، وطارداني، وعايزة تحرمني من بناتي وأحفادي، وبتقول بيتي مش تكية! أنا بعد ما عشت معززة مكرمة في بيت أخوك، أجي هنا أتهان وأتذل عشان لقمة؟
نجلاء دخلت وراها بسرعة بصوتها المزعج، كأنها بتلحق الڼار قبل ما تنطفي أيوة يا عمي! وأنت عارف أمنا ست مريضة ومبتستحملش الكلمة! الست هانم كل يوم تسمعها كلام يسم البدن، وكمان عايزانا ندفع فلوس عشان نيجي نشوف أمنا! ده يرضي مين في شرع ربنا؟ هشام كان بياخد حق أمه، وهي واقفة تتحدانا كلنا في وشنا!
عمي فاروق مرفعش حاجبه حتى، ولا اتعصب، ولا رد بكلمة واحدة من اللي كان مستنيينها. فتح سوستة الشنطة الجلد ببطء رهيب، وطلع منها ملف أزرق بلاستيك، وحطه على الترابيزة قدامه. خبط عليه بإيده خبطتين، وقال وهو باصص لنجلاء أنتِ يا نجلاء.. عيالك تلاتة، أسامي وأعمار؟
نجلاء برقت بدهشة، وبصت لأمها وهي مش فاهمة السؤال عيالي أنا يا عمي؟ مالهم عيالي؟ عمر ومريم وزياد.. ست سنين وتمن سنين وعشر سنين..
وحضرتك بتشتغلي في الإدارة التعليمية، وجوزك مهندس في شركة مقاولات، صح؟ أيوة يا عمي، بس إيه دخل ده ب…
قاطعها بحركة بسيطة من صباعه خلتها تخرس تماماً، وبعدين لف وشه لدعاء وأنتِ يا دعاء.. جوزك فاتح معرض عربيات مستعملة، ومعندكيش شغلانة، وعيالك الاتنين بياخدوا دروس خصوصية لحد الساعة تمانية بالليل، صح؟
دعاء وشها بقى أبيض زي الطباشير، وهزت راسها من غير ما تنطق.
عمي فاروق رجع ضهره لورا، وبص لحماتي وقال بنبرة تقطر برود أنا بقالي شهر كامل بتابع اللي بيحصل في البيت ده يا فايزة. من يوم ما جيتي هنا، وأنا على تواصل مع ناس في العمارة، وبواب الشارع، وحتى الصيدلي اللي بيجيبلك العلاج. مش عشان أراقبك.. لأ، عشان أخويا المرحوم وصاني عليكي وعلى هشام قبل ما ېموت بيومين، وقالي يا فاروق

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *